الشيخ محمد رشيد رضا

119

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يذكر في كتابه الحول والنصاب وإنما ذكر ما هو روح الدين ومقصده وهو إيتاء الزكاة وكونه آية الايمان ، وتركه آية النفاق والكفران وقد بينت السنة بالهدي والعمل كيفية الأخذ وقدر المأخوذ وسائر الأحكام وليس فيها شيء يصح أن يكون شبهة لابطال الكتاب والهروب من الاهتداء به ، ولكن المخذولين لما تركوا الاهتداء بالكتاب والسنة ، وجعلوا عبارات الكتب التي صنفوها هي مآخذ الدين وينابيعه ، صاروا يحتالون في تطبيق أعمالهم على تلك العبارات المخلوقة ، فيكتب أحدهم مثلا : تجب الزكاة على مالك النصاب إذا تم الحول وهو مالك له . ثم يعمد هو وغيره إلى تطبيق دينه على هذه العبارات فيهب ماله قبل انقضاء الحول بيوم أو يومين إلى امرأته ولو مع الاشتراط عليها أن تعيده له بعد يوم أو يومين ، ويقول إنه لم تجب عليه الزكاة بحسب نص الكتاب الذي سماه فقها ، وبدكّ بكلمة كتابه المخلوق كتاب اللّه القديم ، وسنة رسوله الحكيم ، وحكمة دينه القويم ، ويزعم مع هذا كله انه مسلم مؤمن باللّه وكتابه ورسوله ، بل يزعم أنه عالم فقيه في الدين ، يجب تقليده واتباعه على المؤمنين ، وربما يتبجح إذا سمع أو قرأ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » لأنه يزعم أن اللّه أراد به خيرا ففقهه في الدين ، والحديث متفق عليه وفي رواية زيادة « ويلهمه رشده » فيا أهل الفطرة السليمة التي لم يفسدها فقه هؤلاء المحتالين على اللّه لهدم دينه أفتونا : هل العلم بمثل هذه الحيلة ينطبق على أصول البر التي ذكرها اللّه في هذه الآية وعلى الفقه والرشد الذي ذكره النبي في حديثه هذا ؟ أم هذه فتنة من فتن التقليد ، وأخذ الدين من الكتب المحدثة دون كتاب اللّه المجيد ؟ ثم قال تعالى وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وهذا انتقال من البر في الاعمال إلى البر في الاخلاق والاعمال الاجتماعية ، فذكر منها ما هو أهم أصول البر وهو الوفاء والصبر بضروبه المبينة بعد . وقد ذكر الاعمال بصيغة الفعل والاخلاق بصيغة الوصف لان الاعمال أفعال ، والاخلاق صفات . وفيه تنبيه على أن من أوفى وصبر تكلفا لا يكون بارا حتى يصير الوفاء والصبر من أخلاقه ولو بتكرار التكلف والتعمل ، فقد ورد « الحلم بالتحلم » وقدم ما ذكر من الاعمال على هذه الاخلاق لان الاعمال